“إنكم تسمعون كل يوم أحاديث في الجد والهزل ، وفي الخير وفي الشر ، أحاديث تدعو إلى الوطنية ، وأحاديث تسمو بالخلق ، وأحاديث فيها متعة وفيها تسلية ، ولكن حديثي معكم اليوم أهم من هذه الأحاديث كلها ، بل لأنه أمس الموضوعات بكم ، وأقربها إليكم ، ولأنه دعوة لكم لتعرفوا أنفسكم ..!!
لا تضحكوا يا سادة ولا تظنوا أني أهزل ، ولا تقولوا : من منا لا يعرف نفسه ؟ فقديماً قال سقراط : (( أيها الإنسان اعرف نفسك )) .. ومن يوم سقراط إلى هذه الأيام ، لم يوجد في الناس ( إلا الأقل منهم ) من عرف نفسه..!! ومتى تعرف نفسك يا أخي ، وأنت من حين تصبح إلى حين تنام مشغول عنها بحديث أو عمل أو لهو أو كتاب ..!؟ ومتى تعرف نفسك يا أخي وأنت لا تحاول أن تخلو بها ساعة واحدة كل يوم ، تفكر فيها ، لا يشغلك عنها تجارة ولا علم ولا متاع..!؟
ومتى ..؟؟
أنت أبداً تفكر في الناس كلهم إلا نفسك وتحدثهم جميعاً إلاهـا ..!؟ تقول وأنا ..!! فهل خطر على بالك مرة واحدة أن تسأل (( من أنا )) ؟!!؟ هل جسمي هو (( أنا )) ؟؟ هل أنا هي هذه الجوارح و الأعضاء ..؟!
إن الجسم قد ينقبض بعاهة أو مرض ، فتبتر رجل أو تقطع يد ، ولكن لا يصيـبني بذلك نقصان ..!! فمن أنا ؟! ولقد كنت يوماً طفلاً ثم صرت شاباً وصرت كهلاً فهل خطر على بالك أن تسأل : هل الشاب هو ذلك الطفل ؟! وكيف ؟! وما جسمي بجسمه ، ولا عقلي بعقله ، ولا يدي هذه يده الصغيرة .. فأين ذهبت تلك اليد ؟؟ ومن أين جاءت هذه ؟!
إذاً كانا شخصين مخـتلفين .. فأيهما أنا ؟؟ أأنا ذلك الطفل الذي مات ولم يـبق فيّ من جسده ولا فكره بقية أم أنا الكهل الذي يلقي هذا الحديث ؟! أم أنا الشيخ الذي سيأتي على أثره بجسمه الواني وذهـنه الكليل ؟! ما أنا ؟!؟
وتسمع في الصباح جرس الساعة يدعوك إلى القيام ، فإذا فكرت في النهوض ناداك منك منادٍ أن تريث قليلاً ، واستمتع بدفء الفراش ولذة المنام ، ويتجاذبك الداعيان : داعي القيام وداعي المنام ، فهل تساءلت ما هذا ؟! وما ذاك ؟! وما أنت بينهما ، وما الذي يزين لك المعصية ؟!!؟ ومن يصور لك لذتك ، ويجرك إليها ؟!!؟ وما الذي ينفرك منها ويـبعدك عنها ؟! يقولون إنها النفس وإنه العقل ..!!
فهل فكرت يوماً ما النفس الأمارة بالسوء !؟ وما العقل الرادع عنه !؟ وما أنت ؟!!؟ ويعصف بنفسك الغضب حتى ترى اللذة في الأذى ، والمتعة في الانتقام ، وتغدو وكأن سبعاً هلَّ فيك ، فصارت إنسانيتك وحشية ثم يسكت عنك الغضب ، فتجد الألم فيما كنت تراه لذة ، والندم على ما كنت تتمناه ..!!
وتقرأ كتاباً في السيرة أو تتلو قصة أو تنشد قصيدة ، فتحس كأن قد سكن قلبك ملك ، فطرت بغير جناح إلى عالم كله خير وجمال ، ثم تدع الكتاب فلا تجد في نفسك ولا في الوجود أثراً من ذلك العالم ..!!
فهل تساءلت مرة ما أنـا ؟!!؟ ومن هؤلاء ؟!!؟ أأنـا ذلك الإنسان الشهوان الذي يستبيح في لذته كل محرم ، ويأتي كل قبيح ، أم ذلك الإنسان البطاش الذي يشرب دم أخيه الإنسان ، ويتغذى بعذابه ويسعد بشقائه ، أم ذلك الإنسان السامي الذي يحلق في سماء الطهر بلا جناح ؟! أسبعٌ أنـا أم شيطان أم ملك ؟!!؟
أتحسب أنك واحد وأنك معروف ، وأنت جماعة في واحد ، وأنت عالم مجهول ، كشفت مجاهل البلاد ، فهل حاولت مرة أن تدخل إلى نفسك فـتكشف مجاهلها ؟!!؟
نفسك عالم عجيب يتبدل كل لحظة ويتغير ولا يستقر على حال: تحب المرء فـتراه ملكاً ، ثم تكرهه فتـبصره شيطاناً، وما ملكاً كان قط ولا شيطاناً ، وما تبدل ، ولكن تبدلت حالـة نفسك ..؟؟!!
تكون في مسرة فترى الدنيا ضاحكة ، حتى أنك لو كنت مصوراً لملأت صورتها على لوحتك بزاهي الألوان ، ثم تراها وأنت في كدر ، باكية قد غرقت في سواد الحداد ، وما ضحكت الدنيا قط ولا بكت ، ولكن أنت الضاحك الباكي .. فما هذا التحول فيك ؟!!؟ وأي أحكامك على الدنيا أصدق ؟!!؟
وإذا أصابك إمساك فنالك منه صداع ، ساءت عندك الحياة ، وامّحي جمال الرياض ، وطمس بهاء الشمس ، واسودّ بياض القمر ، وملأت الدنيا فلسفة شؤم إن كنت فيلسوفاً ، وحشوت الأسماع شعر بؤس إن كنت شاعراً ، فإذا زال ما بك بقدح من زيت الخروع ، ذهب التشاؤم في الفلسفة ، والبؤس في الشعر ، فما فلسفتك يا أيها الإنسان وما شعرك إن كان مصدرها فقدُ قدح من زيت الخروع ؟!!؟
وتكون وانياً واهي الجسم ، لا تستطيع حراكاً ، فإذا حاق بك خطر أو هبط عليك فرح ، وثبت كأن قد نشطت من عقال ، وعدوت عدو الغزال .. فأين كانت هذه القوة الكامنة فيك ؟!!؟ هل خطر على بالك أن تبحث عن هذه القوة فتحسن استغلالها ؟!!؟ إن النفس يا أخي كالنهر الجاري ، لا تـثبت قطرة منه في مكانها ، ولا تبقى لحظة على حالها ، تذهب وتجئ غيرها ، تدفعها التي هي وراءها ، وتدفع هي التي أمامها ..!!
في كل لحظة يموت واحد ويولد واحد ، وأنت الكل ، وأنت الذي مات وأنت الذي ولد ، فابتغِ لنفسك الكمال أبداً ، واصعد بها إلا الأعالي ، واستولدها دائماً مولوداً أصلح وأحسن ، ولا تقل لشيء ( لا أستـطيعه ) فإنك لا تزال كالغصن الطري ، لأن النفس لا تيـبس أبداً ، ولا تجمد على حال ولو تباينت الأحوال .
فيا أخي اعرف نفسك ، وأخـلِ بها وتساءل دائماً ما النفس ؟! وما العقل ؟! وما الحياة ؟! وما العمر ؟! وإلى أين المسير ؟!!؟ ولا تنـس أنّ من عرف نفسه عرف ربه ، وعرف الحياة ، وعرف اللذة الحق التي لا تعدلها لذة ، وأن أكبرها عقاب عاقب به الله من نسوا الله أنه أنساهم أنفسهم !! “
* “اعــرف نـفـسـك”.. حديث إذاعي طويل من الأدب التأملي للشيخ الكاتب محمد علي الطنطاوي بث سنة 1951 م .. رحمه الله وجزاه الله عنا وعن الجميع خــير الجزاء ..
مقال “مـُـقـتـبـس” عثرت عليه في مفضلتي من ضمن مقالاتي التي نشرتها سنة 2003 ..
اليوم بالذات تأملت المقال كثيراً وتعمقت فيه فـ ـأردت مشاركتكم إياها..
علـنا نعي ما عناه الكاتب من كلمات ونغوص مع ما كتب من تساؤلات، فربما يكتشف أحدنا ما لم يستطع الكثيرون اكتشافه ، فمنهم من ربطته انشغالاته الواهية ( واللي من كثرتها قيدته حتى عن أولوياتـه الطبيعية في حق نفسه وأهله ).. وما كانت انشغالاتهم تلك إلا ممارسات بسيطة ومجرد أمور زائلة ألهتهم حتى عن فهم أنفسهم .. أنفسهم الماثلة هـناك تنادي ..!! فهل من مجيب يقدرها ويجـزل عطائـها ..؟!
نعم اعرف نفسك ..!!
واعلم أن أمور دنياك لا تنـتهي في حين أن حياتك في انـتهاء ..
فهل عرفت نفسك قبل خسرانها .. وقدرت حقيقة زوالها ..!؟!
بـ تأملـ ـي ..،،

شكرا على المدونه الجميلة و بالتوفيق دائما
شكراااااا على مدونتك الرائعة
المدونة رائعة شكرا لك ..
رمضان كريم